زراعة البن في جبال جنوب السعودية: لماذا يختلف سعر الكيلو رغم أن الشجرة واحدة؟
زد كب
زد كب
19 ديسمبر 2025

زراعة البن في جبال جنوب السعودية:

لماذا يختلف سعر الكيلو رغم أن الشجرة واحدة؟

دراسة واقعية من متجر زد كب تكشف التكلفة الحقيقية وتشوهات التسعير من المزرعة إلى السوق

دراسة تحليلية من متجر زد كب

أولًا: الموقع والارتفاع (العامل الحاكم للجودة)

تقع جبال جنوب السعودية مثل جبل طلان وجبال الداير ضمن نطاق ارتفاعات عالية تتجاوز 1800 متر فوق مستوى سطح البحر.

هذا الارتفاع يُعد ممتازًا من ناحية جودة البن ونكهته، لكنه في المقابل:

  • أقل أمطارًا في أغلب شهور السنة
  • يعتمد بشكل شبه كامل على الري الصناعي
  • يرفع التكلفة التشغيلية مقارنة بالمناطق المطرية

ثانيًا: احتياج شجرة البن للماء

في غياب الأمطار، تحتاج شجرة البن إلى ري منتظم للحفاظ على صحتها واستمرارية الإنتاج.

المعطيات الواقعية:

  • سعر الماء في المناطق الجبلية: 500 ريال لكل 13 طن
  • 13 طن = 13,000 لتر
  • عدد الأشجار في هذه الدراسة: 500 شجرة

التوزيع:

  • نصيب الشجرة من 13 طن = 26 لتر فقط
  • وبذلك فإن 13 طن ماء:
    • لا تكفي إلا أيامًا محدودة عند الري المرتفع
    • وتُعد كمية جزئية ضمن احتياج شهري أكبر

النتيجة:

في مزارع البن الجبلية الجافة، يُعد الماء بند تكلفة ثابت ومتكرر، ولا يمكن الاعتماد على شحنة واحدة لتغطية فترة طويلة عند عدد أشجار مرتفع مثل 500 شجرة.

ثالثًا: تكلفة العمالة

لخدمة مزرعة بن بعدد 500 شجرة، غالبًا ما يكفي عامل واحد للري والمتابعة والخدمة اليومية.

التكاليف:

  • راتب شهري: 1,000 ريال
  • مصروفات (تغذية + إنترنت): 500 ريال شهريًا
  • تجديد إقامة سنوي: 1,000 ريال

الإجمالي:

  • التكلفة الشهرية: 1,500 ريال
  • التكلفة السنوية: 19,000 ريال
  • نصيب الشجرة الواحدة:
    • 38 ريال سنويًا
    • 3.1 ريال شهريًا

رابعًا: حقيقة مهمة – الشجرة لا تثمر إلا بعد 3 سنوات

من الحقائق الأساسية في زراعة البن أن:

شجرة البن لا تبدأ بالإثمار إلا بعد مرور نحو 3 سنوات من الزراعة

ما يعنيه ذلك اقتصاديًا:

  • أول 3 سنوات = تشغيل كامل بدون دخل محصول
  • خلال هذه الفترة تستمر:
    • تكاليف الماء
    • تكاليف العامل
  • دون وجود أي عائد من بيع البن

خامسًا: الإنتاج الحقيقي لشجرة البن

بعيدًا عن الأرقام المتفائلة، فإن الإنتاج الغالب والواقعي في الزراعة الجبلية بجنوب السعودية هو:

  • 1.5 إلى 3 كجم ثمار بن (Cherry) للشجرة سنويًا
  • المتوسط العملي: حوالي 2 كجم

بعد المعالجة:

  • كل 1 كجم ثمار يعطي:
    • 0.18 – 0.22 كجم بن أخضر

إذًا:

  • إنتاج الشجرة الواحدة:
    • حوالي 400 – 450 جرام بن أخضر سنويًا

سادسًا: الإنتاج الكلي لـ 500 شجرة

  • إنتاج الثمار: ≈ 1,000 كجم
  • إنتاج البن الأخضر: ≈ 200 – 225 كجم سنويًا

هذه نقطة مفصلية:

500 شجرة بن لا تنتج أكثر من ربع طن بن أخضر سنويًا

سابعًا: التكلفة المباشرة التقريبية

(بدون احتساب: شتلات، سماد، أدوات، نقل، فاقد، تقشير، تجفيف)

  • تكلفة العمالة السنوية: 19,000 ريال
  • تكلفة الماء السنوية (تقدير عملي): 30,000 ريال
  • الإجمالي المباشر: 49,000 ريال سنويًا

خسائر أول 3 سنوات (قبل الإثمار):

  • 49,000 × 3 = 147,000 ريال
  • وهي تكلفة تشغيلية يجب استردادها بعد بدء الإنتاج

ثامنًا: تكلفة الكيلو الواحد من البن الأخضر

  • الإنتاج السنوي: 200 – 225 كجم بن أخضر
  • التكلفة المباشرة فقط:

49,000 ÷ 200 = 245 ريال/كجم

49,000 ÷ 225 ≈ 218 ريال/كجم

➡️ تكلفة الكيلو الأخضر قبل الربح تتراوح بين

220 – 245 ريال


تاسعًا: كم يجب أن يصل سعر الكيلو للعميل؟

بإضافة هامش منطقي للتاجر والمخاطر (فاقد – تقلب إنتاج – تخزين – استرداد خسائر السنوات الأولى):

  • السعر العادل والمنطقي:
    • 350 إلى 500 ريال للكيلو الأخضر
  • وأي سعر أقل من ذلك:
    • لا يغطي التكلفة الحقيقية على المدى الطويل
    • ولا يعكس ندرة البن الجبلي وجودته

الخلاصة النهائية (دراسة زد كب)

  • البن الجبلي في جنوب السعودية منتج نادر لا كثيف
  • الإنتاج قليل لكن الجودة مرتفعة
  • الماء والعمالة هما أكبر بندي تكلفة
  • أول 3 سنوات تمثل استثمارًا بدون عائد
  • السعر المرتفع للبن الأخضر مبرر اقتصاديًا وليس تسويقيً

ملاحظة مهمة حول فرق السعر بين المزرعة والسوق

قد يتساءل القارئ:

كيف يُباع البن في المزرعة بسعر منخفض، بينما يصل إلى السوق بسعر أعلى والعكس صحيح في ملاحظة اخيره سوف اذكرها اخر المقال؟

الواقع أن كثيرًا من مزارعي البن في جبال جنوب السعودية يعملون بجهود شخصية وبأسلوب تقليدي، ويُنظر إلى محصول البن غالبًا كدخل موسمي إضافي، لا كمشروع تجاري تُحسب فيه التكاليف المحاسبية الكاملة.

في المزرعة، يتم التسعير عادةً بناءً على:

  • الدخل النقدي المباشر
  • تغطية الاحتياجات الآنية
  • البيع الموسمي عند الحصاد

دون احتساب عناصر مثل:

  • قيمة الوقت والجهد كتكلفة فعلية
  • تكلفة العمل في حال كان عائليًا أو غير مدفوع
  • توزيع مصروفات الماء السنوية على الإنتاج
  • أو تحميل خسائر السنوات الأولى قبل الإثمار على المحصول

كما أن كثيرًا من المزارعين:

  • لا يملكون قنوات بيع مباشرة
  • ولا إمكانيات تخزين طويلة
  • ولا اطلاعًا على تسعير البن في السوق النهائي

في هذه الحالة، يصبح البيع بسعر أقل خيارًا واقعيًا لتأمين دخل سريع، وليس بالضرورة تعبيرًا عن القيمة الحقيقية للبن.

في المقابل، عند انتقال البن من المزرعة إلى السوق، تمر الحبوب بمراحل إضافية تشمل الفرز، والتجفيف، والتخزين، والتحميص، وضمان الجودة، إضافة إلى تحمّل مخاطر الفاقد والتقلبات والتسويق.

وهنا يظهر فرق السعر كنتيجة طبيعية لاختلاف الدور والمسؤولية في سلسلة القيمة، لا بوصفه استغلالًا للمزارع.

الفارق بين سعر المزرعة وسعر السوق ليس استغلالًا، بل نتيجة غياب التسعير المبني على التكلفة الحقيقية لزراعة البن الجبلي، واختلاف الأدوار بين الإنتاج الأولي والتجارة النهائية



ملاحظة إضافية حول تشوّه أسعار السوق أحيانًا

في بعض الحالات، لا يصل البن إلى السوق عبر البيع المباشر من المزارع فقط، بل يتم إهداؤه أو تبادله ضمن العلاقات الاجتماعية أو العائلية، وهو أمر معروف ومتعارف عليه في المجتمعات الزراعية الجبلية.

عند هذه النقطة، قد يصل البن إلى طرف آخر دون أن يتحمّل أي تكلفة زراعة أو ري أو عمل، فيُعرض للبيع بسعر منخفض جدًا، ليس لأنه أقل جودة، بل لأنه لم يدخل عليه أي تكلفة إنتاج.

وهذا يفسّر لماذا تظهر أحيانًا في السوق أسعار:

  • أقل من سعر المزرعة نفسها
  • أو متفاوتة بشكل كبير لنفس نوع البن
  • أو لبن من نفس الشجرة بأسعار مختلفة تمامًا

في هذه الحالات، لا يعكس السعر قيمة البن الحقيقية، بل يعكس فقط غياب التكلفة عند البائع.

وجود هذا النوع من البيع:

  • لا يمثّل السعر العادل طويل المدى
  • ولا يمكن البناء عليه كنموذج تسعير مستدام
  • لكنه يؤثر مؤقتًا على صورة السوق لدى المستهلك

لذلك، قد يرى العميل بنًا جبليًا بسعر منخفض في بعض الأحيان، بينما يكون سعره الأعلى في موضع آخر هو الأقرب للواقع الاقتصادي للإنتاج